الزركشي
11
البحر المحيط في أصول الفقه
واستدل الفارسي في الإيضاح على ذلك بوقوعها في جواب الشرط نحو إن دخلت الدار فأنت طالق يريد أن الجواب يلي الشرط عقبه بلا مهلة . وأما قوله تعالى : * ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا ) * [ سورة الأعراف : 4 ] قال الهروي وغيره معناه قرب هلاكها . وقال المتأخرون أي أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا وفيه نظر من جهة علم الكلام . وقيل لما كان مجيء البأس مجهولا عند الناس قدر كالعدم ولما حصل الهلاك اعتقدوا وجوده فحسن دخول الفاء . وقيل ليست عاطفة وإنما هي سببية والفاء السببية لا يشترط فيها التعقيب فإنك تقول أكرمت زيدا أمس فأكرمني اليوم وهذا تأويل ظاهر وعليه ينبغي أن يحمل قوله تعالى : * ( فتصبح الأرض مخضرة ) * [ سورة الحج : 63 ] . ثم الترتيب إما في الزمان نحو * ( خلقك فسواك ) * [ سورة الانفطار : 7 ] ولهذا كثر كون تابعها مسببا نحو ضربته فهلك أو في الذكر وهو عطف مفصل على مجمل هو نحو * ( ونادى نوح ربه فقال رب ) * [ سورة هود : 45 ] أو متأخر عما قبله في الإخبار نحو : بسقط اللوى بين الدخول فحومل وزعم الفراء أنها تأتي لغير الترتيب وهذا مع ما نقل عنه من أن الواو تفيد الترتيب عجيب وهو يوقع خللا في ذلك النقل فإنه قد ذكر هذا في معاني القرآن في قوله تعالى : * ( ثم دنا فتدلى ) * [ سورة النجم : 8 ] المعنى ثم تدلى فدنا ولكنه جائز إذا كان المعنى في الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت فقلت دنا فقرب أو قرب فدنا وشتمني فأساء أو أساء فشتمني لأن الشتم والإساءة واحد . ونوقش بأن القلب إنما يصح فيما يكون كل واحد مسببا وسببا من وجهين فيكون الترتيب حاصلا قدمت أو أخرت فقولك دنا فقرب الدنو علة القرب والقرب غايته . فإذا قلت دنا فقرب فمعناه لما دنا حصل القرب وإذا عكست فقلت قرب فدنا فمعناه قرب فلزم منه الدنو ولا يصح في قولك ضربته فبكى لأن الضرب ليس غايته البكاء بل الأدب أو شيء آخر وكذلك أعطيته فشنعا . وقال الجرمي لا تفيد الفاء الترتيب في البقاع ولا في الأمطار بدليل قوله :